مقالات راي

ماذا حدثَ للشعب المصري وكيف إختلت منظومة هويته وتكوينه ؟

 

بقلم – الشيخ د. مصطفى راشد

طوال سنوات غربتى بإستراليا والتي لم تنسيني أيامها وسنونها رغم طول فترتها وطني الأم “مصر الحبيبة”والتي أتتبعها وأراقب عن كثب كل ما يحدث بها بشكل شبه يومي كان آخر رحلات البحث تلك يوم أمس الأحد الموافق 18 مارس 2018 وأثناء تلك الرحلة الكشفية المعتادة بالإنترنت عن البرامج المصرية الناقلة لكل مستجدات المحروسة وما يحدث بها وعلى ساحتها كوني عاشق لترابها الذي لم يَغَب عنى لحظة بل كان ومازال وسيظل بداخلى يتنقل معى أينما كنت..
أثناء رحلة البحث المشار إليها عاليه تصادف بث برنامج للمذيعة منى الشاذلى ، التي كانت مستضيفة بالمصادفة لمطربة تدعى “مى فاروق” والتي بكل آسف لم أسعد بسماعها صوتها من قبل، وقد هالنى ما سمعت من نبرة صوت واضح معبر قوى عندما تغنت ببعض كلمات لكوكب الشرق السيدة أم كلثوم وكلمات أخرى للسيدة فايزة أحمد —
ذلك الصوت الشجي لهذه الفتاة الذى يسمو بمن يسمعه الى عنان السماء ،ويصفو بنفسه فينقيها من الشرور والآثام ويحلق بروحه إلى فضاء أرحب ،ويعلن عن موهبة ونعمة من بها الخالق عليها لإسعاد خلقه ،
في ذات اللحظة التي اسمع أثناءها تلك المطربة طرأ بذهني مدى ما يمكن أن تؤثر به القوى الناعمة في تهذيب النفس وتشذيب الخلق ورفعة الروح وكيف لنا أن نفسر سببية ومنطلق وأهمية وحرص أتباع داعش ومتطرفى الإخوان والسلفيين وما شابههم لمعاداة كافة أنواع الفنون وعلى رأسها الموسيقى والطرب ، فصوت تلك الفتاة ومثيلاتها تجعلنا ندرك أهمية إستثمار هكذا مواهب فى محاربة الإرهاب والتطرف والنشوذ الفكري ، إلا أننى وفي خضم تلك الحالة وجم نشوتها قد توقفت لبرهة عند دوران كاميرا المخرج أثناء الحلقة وعند غناء تلك القيثارة ومدى تأثيره على وجوه الحاضرين وبزاوية مستقيمة تجمعهم مع المطربة ، وبرغم تصفيق الحضور للمطربة عند إستقبالها وبعد ختامها ، إلا أن السواد الأعظم منهم كما رأيت كان يصفق بحركة ديناميكية ميكانيكية كآلة دونما تفاعل أو تواؤم روحي مع ما تسمع آذانهم أو يستشعر وجدانهم ، فلا تظهر على محياهم نظرات إبتسام معجبة بتلك الموهبة ولا تحركت لوجوههم عضلة إنسجاما مع هكذا طرب جميل ، بل على العكس من ذلك بدت تلك الوجوه جامدة متحجرة معلبة لا تعطي أى إنطباع أو إحساس بالسعادة والنشوة الحقيقة، وهو ما يشعرني كمراقب للصورة ككل أننا نعاني قلة ثقافة وإنعدام إحساس بقيمة الجملة الموسيقية الراقية والكلمة المنتقاة والصوت النقى العذب ،
ومن هنا قفز إلى ذهني سؤال عنوان كلماتي هذه..”ماذا حدث للشعب المصرى” وما هو ما طرأ عليه ليصل به إلى هذا الحد من التبلد الحسي عند سماع طرب محترم عذب أصيل ؟ هل أثر علينا وعلى عقلنا وحسنا الجمعي فيروس ما يطلق عليه “أغانى المهرجانات” أو بزوغ نجم بعضهم ممن يطلقون عليه مطرب شعبي يفتقد إلى صوت يسمع ؟ أم..أم..أم…!!!
لم أجد سببا منفردا أستطيع الإرتكان إليه لأجعل منه سببا وجيها ينسب إليه تهمة القضاء على الذوق الرفيع والطرب الأصيل، وهل هذا السبب غير عائد على شخوص بعينها ويعود فعليا إلى ما نعانيه من تلوث سمعي وبصري وفكري وحسي تسببت فيه وتيرة الحياة وضوضاءها التى نعيشها في مصر مابين ميكرفونات بائعي الخضار والروبابيكيا مضافا إليها ما تطلقه علينا ميكرفونات المساجد والمآتم والأفراح وصوت السيارات وضجيج آلات تنبيهها والموسيقى الصاخبة المنبعثة منها إلى جانب صوت البشر بعضهم مع بعض بشكل يثير الدهشة المشمئزة لما تسبب به في القضاء على العصب السمعى المصرى …
لذا أرجو من العاملين بالإعلام والصحافة أن يقوموا بإستضافة علماء النفس والإجتماع ورواد الطب النفسي والموارد البشرية لتحليل ماحدث للشخصية المصرية من حيث أسبابه والطرق المثلى لعلاجه..
قد يبدو الأمر بسيطاً للبعض في مجمله إلا أن تحليله قد يُظهر مدى ما وصل إليه الشارع المصرى من إزعاج وضوضاء وتلوث على كافة المناحي وقد يُظهر تحليلنا وتحليل المنوطين بتوصيف تلك الحالة وجود فيروس من نوع جديد ضرب الشباب وهو فيرس الجمود الروحاني والعاطفي الذي ربما وأن يكن للتشدد السلفى الذى يحرم الغناء والموسيقى والفنون رغم أن سيدنا النبى (ص) قد إستمع للأغانى والموسيقى أكثر من مرة كما ورد عنه بكتب السير
هذا وعلى الله قصد السبيل ورضاه..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: